صور



الأمراض التربوية - تجزئة المعرفة وتناقضها

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jun 2018
المشاركات: 2,545
افتراضي الأمراض التربوية - تجزئة المعرفة وتناقضها

لقد أتت الثورة الصناعية التكنولوجية بحضارة ذات غنىً عظيم، إلا أنها بذات الوقت ساعدت على إفراغ العالم من محتواه الروحي، ووظفت الطبيعة في خدمة الصناعة بشكل قاسي مما أدى إلى غياب الإنسانية من الحياة ومن مناخ العمل بشكل كبير. وانتشرت النظرة الميكانيكية للعالم مما أدى إلى رؤية الطبيعة على أنها مجموعة كبيرة من الأجزاء المستقلة عن بعضها البعض.
أدت هذه الرؤية إلى تجزئة المعرفة، وتم تقسيم التعليم إلى مواد تعليمية يتم تدريس كل منها بمعزل عن الأخرى ودون ربطها ببعضها البعض. ففي المدارس مثلاً يتم تعليم الرياضيات دون ربطها بالفيزياء، والفيزياء دون ربطها بمادة علوم الأحياء، وعلوم الاحياء دون ربطها بمادة الكيمياء، وهكذا. أما بالنسبة إلى الدراسات الجامعية فلقد كثرت التجزئة والتقسيم والتخصص حتى أصبح المتخصص يعرف الكثير جداً في جزء ما ويجهل الأكثر عن بقية الأجزاء ناهيك عن جهله بعلاقة ما يتخصص به مع بقية الاختصاصات المهمة ذات العلاقة!
وليست المواد غير مرتبطة ببعضها البعض فقط، بل غير مرتبطة بالواقع! لقد كتب الخبير في التعليم ستيفن كوتر في صحيفة المجتمع مِنْ أجل التعليم والتعلم السريع "عندما تنظر إلى الطرق الحديثة في تقديم المعلومات، فإنَّك تجد أنَّك تحصل على معلومات مِنْ متخصصين يعرفون أكثر فأكثر عن مواضيع أقل فأقل. فكتب التاريخ تبدو عادةً مخزن جافّ من الحقائق، أما نصوص القواعد فهي مخزن جافّ من القواعد دون تفسير أو ارتباط بالحياة الواقعية. عندما يدرس الناس نماذج من المعلومات معزولة عن واقع الحياة، فإنهم يحاولون حفظ وتذكّر تفاصيل لا معنى لها بالنسبة لهم، ولذلك تُنسى بسرعة".

إن الغوص بتفاصيل موضوع ما أمر جيد على أن تبقى علاقتها بالموضوع الأساسي واضحة في أذهاننا، ولكن كثيراً ما نجد أن هذا الأمر غائب في العملية التعليمية. لقد قسمنا المعرفة وغصنا في تفاصيلها لدرجة أننا تهنا عن أهدافنا منها. إن مناهجنا التعليمية أمست تعاني من عدم وضوح الرؤية عند المتعلم وربما عند المعلم بالهدف الذي يدرس بسببه مادة ما، أو حتى وحدة تعليمية ما، حتى أن الأهداف الصغيرة التي تتعلق بذكر هدف الوحدة التعليمية تكاد لا تذكر مما يضعف الحافز للعملية التعليمية عند المتعلم والمعلم وبالتالي تتدهور العملية التعليمية. إذا سألنا مدرس مادة ما عن المحصلة الأخيرة التي سيصل إليها المتعلم في آخر الفصل الدراسي، بل ما هي المحصلة في آخر الدرس، فكم من مدرسينا يستطيع الإجابة بشكل واضح؟ وذات الشيء ينطبق في كثير من جامعاتنا، وفي الكثير من التدريب الذي يتم في الشركات.
كان فريق مركز دبي للتعلم السريع يقوم بسبر الاحتياجات لإحدى المدارس الرائدة في قطر تمهيداً لتقديم خطة تنموية خاصة بالمدرسة، وكان حضورنا في الصفوف لمراقبة الأنشطة الصفية وطرح الأسئلة على المتعلمين والمعلمين جزءاً من عملية تقييم الاحتياجات. ومن الأسئلة التي تم طرحها على المتعلمين: ماهو موضوع الدرس الآن؟ وما علاقته ببقية المواد؟ وكيف ستستفيد منه في حياتك؟ ولك أن تتخيل أنه لم نجد متعلماً واحداً استطاع الإجابة عليها! لك أن تتخيل كم كان أثر التقسيم المعرفي على العملية التعليمية لدرجة أن الصورة الكبيرة الخاصة بالمادة أو الخاصة بالدرس كانت غير واضحة عند المتعلمين وأحياناً عند المعلمين. وهذا بدوره أفقد العملية روحانيتها وأفقدها إنسانيتها، بل أصبحت عملية روتينية تشكل واجباً ثقيلاً على المتعلم وحتى المعلم، ولابد من القيام به. أفقدها روح التحدي والإثارة والتشويق والمتعة والتي طالما ارتبطت بأي عملية تعلم حقيقية .

الترياق:
لقد كتب الخبير في التعليم ستيفن كوتر في صحيفة المجتمع مِنْ أجل التعليم والتعلم السريع مؤكداً أنَّ التعليم لطالما كان مبنياً على فكرة الترابط والتكامل، حيث لَمْ تكن المواد أصلاً معزولة عن بعضها فالموسيقى مثلاً كانت تُعَلّمْ مرتبطةً بالرياضيات، وقد كتب في ذلك: "عندما ترتبط القواعد بالأدب لا ينسى الطالب الأدب ولا القواعد، فعندما نقدم المعلومات في سياق غني بالروابط (مثلاً: بين الأدب والقواعد)، يصبح من السهل على الطالب أنْ يتذكره ويستخدمه".
بالنسبة إلى تجزئة المعرفة نجد أن التعليم التقليدي يركز على تعلم شيء واحد في كل مرحلة، في حين أن التعلم السريع يسعى إلى تعلم مجموعة من الأشياء في آن واحد وفي بيئة أقرب للعالم الحقيقي، بشكل يتماشى مع أبحاث الدماغ التي تؤكد على أنه يكون فعالاً أكثر كلما كان الترابط أكثر وكلما أعطي تحديات أكثر وكلما تمت مواجهته بكميات أكبر من المعلومات. إن التعليم الطبيعي هو تعليم شمولي وليس مرحلي.
ولابد من وضع قائمة أهداف المادة التعليمية في بدايتها، مع ذكر أهميتها وفوائدها واستعمالاتها في الحياة الواقعية، فيقوى بذلك الحافز عند المتعلم وبالتالي يزداد احتمال نجاح العملية التعليمية.


"""" أما عن التناقض المعرفي فهذا مرض أصابنا أكثر من غيرنا، ولقد بدأ ظهور هذا المرض عندما تم فصل الرقابة الأزهرية عن المناهج التعليمية وأصبح هناك منهجان، مناهج تُراقب من الأزهر أو الجهات التي تنوب عنه، ومناهج أخرى نُقلت بتصرف عن المناهج الغربية دون الرجوع إلى الجهات الوصائية الشرعية.
سبب التناقض المعرفي أن الطالب يتلقى موضوعاً واحداً في مادتين بتناقض تام، فترى الطالب يدخل عليه مدرس مادة علوم الأحياء ليشرح له نظرية النشوء والترقي، وأن التطور دائماً كان يأتي بطفرة، وطفرة الإنسان جاءت من قرد تحول إلى بشر وهكذا، دون أن يفهم معنى النظرية وأنها شق تاريخي لا ترقى للحقيقة العلمية بحال، فيستقر في ذهنه أن الإنسان طفرة تحول من قرد. ويدخل بعده مدرس مادة التربية الإسلامية فيقول له مثلاً أن آدم خلق من تراب وهو الإنسان الأول الذي خلقه الله عز وجل بيديه ونفخ فيه من روحه،.. وعلى هذا فقس.
ونحن بشكل عام مجتمع شرقي متأصل في جذوره الأثر الديني وفي تربيته وحسه، وهنا لا يعنينا مناقشة الخطأ والصحة في هذا المثال بقدر ما يعنينا أن نسلط الضوء على مثال من التناقض المعرفي نتيجته ضياع المتعلم وتشتته، وأثر ذلك على النفس البشرية وبالتالي تدهور العملية التعليمية.
تتجسد المشكلة في أن المفكرين العرب من رواد القرن الماضي رأوا أن الغرب تقدم بالعلم ونحن (العرب) تأخرنا بسبب الجهل، وهذا صحيح إلا أنهم رأوا أن الغرب تقدم عندما ثار العلماء على قواعد الكنيسة وخالفوا ثوابتها بعد أن عرضوا هذه القواعد على العلم فكانت مخالفة له ، فآثروا أن يمشوا مع ما يقتضيه العلم، ويهجروا في حضارتهم ثوابت الكنيسة، وهذا صحيح. فجاء رواد الفكر عندنا وقلدوا هذه الظاهرة في الغرب في بلادنا، ومباشرةً أتوا فرفضوا ما أتى به الدين وتبعوا الحضارة الغربية ظناً منهم أن هذا يكفل لهم تقدمهم. والواقع أنهم لم يكونوا أمناء حتى في التقليد، بل على العكس، فهم لم يحاكموا نصوص الإسلام بقوانين العلم (كما فعلوا الغربيين)، بل رفضوا الإسلام لأنهم مع العلم.
خلاصة هذا التناقض أن المناهج أصبحت تحمل الشيء الكثير من التناقض حسب نظريات لم يقطع بها الغرب إلا أنها تعارض منهج التعليم الديني لدينا، فتولد هذا التناقض المنفر جملة وتفصيلاً من العملية التعليمية عند المتعلم أو المعلم، الإضافة إلى حدوث تشويش كبير عند المتعلم وحيرة في اختيار المعرفة الأصح مما يُعرض عليه.
Society for Accelerated Learning and Teaching (S A L T)""""

أما بالنسبة للتناقض المعرفي فلابد من العودة لدراسة المناهج على أساس عدم التناقض، على أساس من التكامل والترابط، وتوضيح الفروق المنهجية بين النظريات والحقائق العلمية ومناهج البحث عن الحقائق في كل حضارة وفي كل أمة مما تنامى إلينا معرفته.

بعد هذا العرض الموجز لما سميناه مجازاً "مرضاً تعليمياً تربوياً" يصبح واضحاً أن ما يعطي هذا المرض قوته هو تحوله إلى بديهيات في التعليم, واعتباره الشكل الذي كانت عليه الأمور وستستمر عليه. إننا بدون شك بحاجة إلى ثورة حقيقية للتخلص من هذه الأمراض التي حولت التعليم إلى عملية غير فعالة, وغير طبيعية كئيبة وصعبة، حولت المعلم إلى مركز العملية، وحولت المتعلم إلى مستهلك دون إبداع. وحولت بيئة التعليم إلى سجن مخيف ينتشر فيه الملل والكآبة والخوف، وحولتنا كبشر إلى معاقين تعليمياً.
إذا استطاع الطبيب تشخيص المرض وصل إلى نصف الحل وهان عليه وصف الدواء. وفي حال اهتمامك بالتعليم وتحسينه فلابد أن الكثير من الأمراض الواردة سابقاً وطرق علاجها أصبحت واضحة لديك، وعلينا الآن البحث عن آليات لتطبيق ذلك على أرض الواقع، وهذا ما ستجده في كتاب "التعلم الطبيعي- التعلم السريع".


الدكتور محمد ابراهيم بدرة


إقرأ أيضاً:
رد مع اقتباس
  #2  
قديم
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jun 2018
المشاركات: 2,545
افتراضي رد: الأمراض التربوية - تجزئة المعرفة وتناقضها

"إن معظمنا من البالغين مصابون بالإعاقة التعليمية دون حتى أن نعرف ذلك. إن الذي سبَّب هذه الإعاقة, ويستمر في تقويتها, هو صندوق المعتقدات والأحكام المسبقة التي ورثناها حول التعليم, ولقد تجذَّرت هذه المعتقدات في مفاهيم التعليم والتدريب وأصبح من الصعب جداً هزُّ أصولها. إن ما يعطي لهذه الأحكام المسبقة القديمة قوتها هو اعتبارها افتراضياً الشكل الذي كانت عليه الأمور وستستمر عليه."
وكمثال: كيف يتعامل المعلم مع متعلميه؟ يتعامل معهم حسب قناعاته ومعتقداته (الأحكام المسبقة) التي توصَّل إليها في حياته حول التعليم ومبادئه وأساليبه، بمعنى أنه يتعامل حسب ما يعتقد أنه الأصح. أيضاً، كيف يتعامل المتعلم مع المادة التعليمية؟ الإجابة نفسها: يتعامل مع المادة حسب قناعاته ومعتقداته (الأحكام المسبقة)، فكم من متعلم لم ينجح بدراسة الرياضيات لأنه يعتقد بأنها صعبة مثلاً. إذاً، يتعامل حسب ما يعتقد أنه الأصح. والسؤال هنا: هل فعلاً هو الأصح؟
الحكم المسبق عن شيء ما، هو تصور ذهني عنه أو قل هو قناعة بأن شيء ما صحيح أو غير صحيح، وقد يكون الحكم المسبق إيجابياً أو سلبياً، وما يهمنا هنا هو أنه يؤثر التأثير الأعظم في معظم سلوكاتنا. ومعظم سلوكاتنا وتصرفاتنا، عندما نقوم بالتعليم أو بالتدريب أو عندما نقوم بتعلم شيء ما، مصدرها الأساس هو صندوق المعتقدات والأحكام المسبقة التي ورثناها حول التعليم.
يحتوي كتاب "التعلم الطبيعي – التعلم السريع" على الكثير من الأفكار الثورية الفعّالة، وللاستفادة منها بالشكل الأمثل لابد من فهم آلية تطبيقها، مع مراقبتها وتطويرها بما يضمن نتائجها المرجوة، وقبل الخوض فيها أكثر فإننا بحاجة إلى فهم "معاييرنا" نحن وكيف نتصوّر ما حولنا ذهنياً بمعنى: كيف ننظر إلى الكون وما فيه من حولنا، وكيف نتصرف بناءً على هذا التصوّر، لأنه بناءً على رؤيتنا للأمور نقوم بسلوكياتنا...
عندما تسمع كلاماً ما عن مدينة ما (لم تزرها من قبل) وتصدق هذا الكلام، فإنك تكون قد شكّلت في ذهنك حكماً عنها (تصور ذهني)، وعندما ينشب شجار بينك وبين صديق ما، ويرفع صوته، ويهدد، فإنك قد تتبنى حكماً عنه (تصور ذهني)، وعندما تحدث أمامك قضية ما، قد تستخلص منها حكماً ما (تصور ذهني)، وبالرغم من أنك إذا زرت المدينة فيما بعد، قد تكتشف أنها غير ما سمعت عنها، وقد يكون هناك تفسير لموقف صديقك منك غير الذي شكّلته في رأسك، كذلك الأمر بالنسبة للحادثة التي وقعت أمامك، ليس كل ما تسمعه وتراه يكون بالضرورة هو الحقيقة.
يوجد في رأس كلٍ منّا الكثير من التصوّرات الذهنية التي نقوم من خلالها بتفسير كل ما يمر بنا من تجارب، ونميل إلى الاعتقاد بها، وبأننا نرى الأشياء كما هي (أي أننا نفترض أننا موضوعيون)، ولكننا لا نرى العالم كما هو، بل كما نكون نحن، وعندما نتكلم لنصف العالم فإننا في الحقيقة نصف أنفسنا ومعاييرنا وأحكامنا المسبقة، وعندما نختلف مع الآخرين فإننا نظن أنهم على خطأ، ولكن الحقيقة أن كل منا يرى العالم بعدسته الخاصة ومن خلال تجربته الشخصية.
هذا كله لا ينفي وجود الحقائق، ولكننا هنا نتكلم عن تفسيراتنا لهذه الحقائق، وخاصة إذا كانت تلك التفسيرات لا تطابق الحقيقة، مما يؤدي إلى أن تصبح الحقائق دون أي معنى على الإطلاق خارج نطاق هذه التفسيرات.
في دورات مركز دبي للتعلم السريع عادة ما يتم طرح السؤال التالي على المشاركين من المعلمين: كم كلمة جديدة من لغة أجنبية يستطيع المتعلم الشاب أن يكتسب يومياً؟ وعادة تأتي الإجابات: عشرة يومياً، أو ثلاثين، أو خمسين، ولا أذكر إجابة تجاوزت المئة كلمة يومياً. وأطرح عليك ذات السؤال الآن، وأرجو منك ألا تكمل القراءة قبل أن تضع رقماً في ذهنك. هل وصلتَ إلى إجابة ما؟ لا تكمل قبل أن تجيب.
لن أقدم لك الإجابة الآن لأنك ستجدها إن شاء الله في الفصول القادمة، وسيكون رقماً صادماً لك كما كان بالنسبة للمشاركين في ورشات التعلم السريع. الإجابة ليست مهمة الآن بقدر أهمية إجابات المعلمين أنفسهم، فالمعلم الذي أجاب بعشرين كلمة جديدة يومياً قد أصدر حكماً مسبقاً وبناءً عليه لن يقوم بتعليم متعلميه أكثر من عشرين كلمة يومياً. فإذا افترضنا أن قدرة الإنسان تصل إلى مئة كلمة يومياً (وهذا مجرد افتراض لأن قدرة الإنسان أكثر من هذا بكثير كما ستجد في الأدلة التي سترد لاحقاً) فلقد أثر الحكم المسبق للمعلم على نتيجة التعليم.
وذات المثال نطبقه على المتعلم، فإذا كان يعتقد بأنه لا يستطيع أن يتجاوز العشرين كلمة يومياً، فحقيقة لن يستطيع أن يتعلم أكثر من عشرين كلمة، وبالتالي سيكون تأثير الحكم المسبق سلبياً للغاية وسيسبب خسارة كبيرة. ولهذا لن يكون غريباً أن تجد أنَّ أول مبدأ في طريقة لوزانوف التي تتضمن ستة مبادئ أساسية هو: "إلغاء الإيحاء لدى المتعلّم بفكرة أنّه محدود القدرات، وذلك بإزالة الحواجز النفسية (الذهنية) السلبية والتي تشلّ قدرته الطبيعية على التعلّم" .
وهنا قد يخطر في ذهنك الأحكام المسبقة التالية: من قال أن العصا أمر جيد في التعليم؟ أنَّ تجزئة المعرفة إلى مواد تعليمية تدرس كل منها على حدى أمر جيد؟ أنَّ فصل الدين عن العلم أمر جيد؟ من قال أن الكتاب أفضل طريقة للتعلم؟ أنَّ الكذب الأبيض ليس كذباً وهو أمر مقبول؟ من قال أن هدوء المتعلم في الصف يدل على تعلمه؟ لما لا يدل على سباته الفكري؟ من قال أن الذكر أذكى أو أفضل أو أقوى من الأنثى في التعليم الثانوي أو التعليم العالي؟ من قال أننا أخذنا تعلمنا من المدارس والجامعات؟ من قال أنه يتوجب علينا دخول المدارس كي نتعلم؟ من قال أنه لابد من اثنتي عشر سنة كي نحصل على الثانوية العامة (شهادة محو الأمية)؟ من قال أن الانسان المتوسط يستطيع حفظ عشرين كلمة أجنبية في اليوم؟ منذ فترة وأنا أفكر: من هو الشخص الذي كان السبب وراء استيقاظي السادسة صباحاً يومياً ولمدة اثني عشر سنة، وفي كل الحالات الجوية من حر أو برد كي أذهب إلى المدرسة؟
أعتقد أنك تتفق معي أن مرض الأحكام المسبقة هو المرض الأساس، المرض الذي تنتج عنه وبسببه بقية الأمراض. من أعراض هذا المرض القولبة وقلة الإبداع عند المعلم والمتعلم والقيام بالشيء دون معرفة مصدره الأساسي، ويساهم في الابتعاد عن إنسانيتنا، فالإنسان بفكره الحي وليس بتقليده الأعمى. أعراضه باختصار: قولبة الإنسان وشلّ إبداعه الطبيعي.

الترياق
كلما زاد إدراكنا لأحكامنا المسبقة (تصوّراتنا الذهنية) زادت مسؤوليتنا حول اختبارها وتمحيصها في مواجهة الحقيقة، وصارت النتيجة موضوعية أكثر، لقد نشأ مصطلح تغيير الصورة الذهنية مع توماس كوهن الذي صكه في كتابه الذائع الصيت "هيكلة الثورات العلمية"، وأوضح كوهن كيف أن تقريباً كل اختراق مهم في مجال الجهود العلمية هو في المحل الأول اختراق للتقاليد، وللطرق الموروثة في التفكير والتصوّرات التي عفا عليها الزمن (9 صفحة 38)، لقد كان القدماء يتصوّرون أن الأرض مركز الكون، حتى جاء كوبرنيكوس وغيّر هذه القناعة عندما غيّر مركز الكون من الأرض إلى الشمس، وأخذ أينشتاين مكانته لأنه لم يأسر نفسه في أحكام محددة دونما تقييم لها، انظر إلى قوله: "بينما كان الناس يفكرون في المعقول كنت أفكر في المستحيل ".

لابد من الارتياب والانفتاح، فلقد روى كل من البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: رب أرنى كيف تحى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى. ويفسر علماء الحديث شك سيدنا ابراهيم الذي امتدحه النبي صلي الله عليه وسلم في هذا الحديث "بشك كيفية" لا "شك ايمان". اذ ان سينا ابراهيم لم يشك في امكانية احياء الموتي بل أراد التثبت بنفسه من "كيفية" عملية الإحياء بالتجربة العلمية والعملية، فكان بذلك ان أسس لنا منهج علمي في التثبت من الحقائق قبل الانفعال بها.
ويقول ديف ماير: "أنت تدين لنفسك, ولأمانتك العلمية, وللمنظمة التي تعمل فيها بأن تكون مُرتاباً وشكّاكاً في كل ما يمر من أمامك حتى تثبت فعاليته. لا تسمح لنفسك أن تقع فريسة لما تسمي نفسها "ثورات" في التعلم قبل أن تسميها أنت كذلك. نجد أنفسنا أحياناً مندفعين تجاه التكنولوجيا الحديثة, دون أن نقف ونناقش أنفسنا في مبادئ التعليم الأساسية. وأحياناً أخرى نسمح لأنفسنا بالانبهار بالطرائق التي تركز على "المتعة واللعب", بالحيل الذكية, بالتقنيات اللطيفة... كل ذلك دون أن يكون لدينا أي دليل مهما كان صغيراً على أنها تحقق أية نتائج قابلة للحياة.
من المفيد إذاً أن تمارس الارتياب, لأنك إن لم تفعل, ستجد نفسك وقد أنفقتَ الكثير من الوقت والجهد والموارد في مقابل أن تجعل من عملك أقرب "للتفاهة" و"الفراغ", ودون أية نتائج ملموسة على المدى البعيد.
أما الانفتاح: بالمقابل, ومع أهمية التشكك والارتياب, لا بد من الحفاظ على الانفتاح تجاه التجارب التي يمكن أن تحقق نتائجاً ملموسة، فالحياة عملية تطور مُستمرّة وغير قابلة للتوقف. وبمجرد أن نعتقد أننا قد رأينا كل ما يمكن أن نراه, أو عرفنا كل ما يمكن أن نعرفه, نكون قد وصلنا إلى نقطة خطيرة جداً. الوحيدون الذين لهم أن يقولوا أنهم قد شاهدوا وعرفوا كل شيء هم الموتى! أما بالنسبة للأحياء, فالحياة لن تتوقف عن طرق أبوابهم بكل جديد في كل وقت, وإذا كانوا من الانفتاح بما يكفي, فسيعرفون كيف يستفيدون مما هو حقيقي وفعال في هذه الجِّدَّة.
الحياة بطبيعتها هي عملية تجدد دائم, وكذلك الإنسان, ولذلك ينبغي الحذر. لا يمكن لك الحكم برداءة أي شيء لمجرد أنه "جديد" و"غريب" عن ثقافة مؤسستك. إن الجديد ليس سيئاً بالضرورة, كما أنه ليس جيداً بالضرورة. فقط بالبحث والتجريب يمكن لك أن تستمر في التطور, مميزاً الغث من السمين, ومغنياً تجربتك الذاتية والمهنية والروحية".
إن ممارسة الارتياب والانفتاح بتوازن حقيقي هو طريقتك للمحافظة على جودة التعليم ونتائجه. ولابد أن نتذكر قاعدة "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" فلا نحكم على الأشياء بسطحية، بل ننظر بعمق إلى المعاني. والأفضل أن نبذل جهداً على تغيير أحكامنا المسبقة أكثر من تغيير سلوكياتنا، قال رالف والدو ايمرسون: "التفكير هو أصل كل ما نفعله".

بعد هذا العرض الموجز لما سميناه مجازاً "مرضاً تعليمياً تربوياً" يصبح واضحاً أن ما يعطي هذا المرض قوته هو تحوله إلى بديهيات في التعليم, واعتباره الشكل الذي كانت عليه الأمور وستستمر عليه. إننا بدون شك بحاجة إلى ثورة حقيقية للتخلص من هذه الأمراض التي حولت التعليم إلى عملية غير فعالة, وغير طبيعية كئيبة وصعبة، حولت المعلم إلى مركز العملية، وحولت المتعلم إلى مستهلك دون إبداع. وحولت بيئة التعليم إلى سجن مخيف ينتشر فيه الملل والكآبة والخوف، وحولتنا كبشر إلى معاقين تعليمياً.
إذا استطاع الطبيب تشخيص المرض وصل إلى نصف الحل وهان عليه وصف الدواء. وفي حال اهتمامك بالتعليم وتحسينه فلابد أن الكثير من الأمراض الواردة سابقاً وطرق علاجها أصبحت واضحة لديك، وعلينا الآن البحث عن آليات لتطبيق ذلك على أرض الواقع، وهذا ما ستجده في كتاب "التعلم الطبيعي- التعلم السريع".



رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية (Tags)

وتناقضها, الأمراض, المعرفة, التربوية, تجزئة


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 03:45 AM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7

سياسة الخصوصية  Privacy Policy


Content Relevant URLs by vBSEO